السيد محمد باقر الصدر

98

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

وهي : أنّ الظروف المتماثلة والأشياء المتشابهة في النوع والحقيقة يجب أن تشترك في القوانين والنواميس ؟ ! وهنا نتساءل مرّة أخرى عن هذه القاعدة : كيف توصّل إليها العقل ؟ ولا يمكن للتجريبيين هنا أن يزعموا أنّها قاعدة تجريبية ، بل يجب أن تكون من المعارف العقلية السابقة على التجربة ؛ لأنّها لو كانت مستندة إلى تجربة فهذه التجربة التي ترتكز عليها القاعدة هي - أيضاً - لا تتناول بدورها إلّاموارد خاصّة ، فكيف ركّزت على أساسها قاعدة عامّة ؟ ! فبناء قاعدة عامّة وقانون كلّي على ضوء تجربة واحدة أو عدّة تجارب لا يمكن أن يتمّ إلّابعد التسليم بمعارف عقلية سابقة . وبهذا يتّضح : أنّ جميع النظريات التجريبية في العلوم الطبيعية ترتكز على عدّة معارف عقلية لا تخضع للتجربة ، بل يؤمن العقل بها إيماناً مباشراً ، وهي : أوّلًا - مبدأ العلّية بمعنى : امتناع الصدفة ؛ ذلك أنّ الصدفة لو كانت جائزة لما أمكن للعالم الطبيعي أن يصل إلى تعليل مشترك للظواهر المتعدّدة التي ظهرت في تجاربه . ثانياً - مبدأ الانسجام بين العلّة والمعلول الذي يقرّر أنّ الأمور المتماثلة في الحقيقة لا بدّ أن تكون مستندة إلى علّة مشتركة . ثالثاً - مبدأ عدم التناقض الحاكم باستحالة صدق النفي والإثبات معاً . فإذا آمن العالم بهذه المعارف السابقة على التجربة ثمّ أجرى تجاربه المختلفة على أنواع الحرارة وأقسامها ، استطاع أن يقرّر في نهاية المطاف نظرية في تعليل الحرارة بمختلف أنواعها بعلّة واحدة كالحركة مثلًا . وهذه النظرية لا يمكن في الغالب تقريرها بشكل حاسم وصورة قطعيّة ؛ لأنّها إنّما تكون كذلك إذا أمكن التأكّد من عدم إمكان وجود تفسير آخر لتلك الظواهر ، وعدم صحّة تعليلها بعلّة أخرى ، وهذا ما لا تحقّقه التجربة في أغلب الأحيان ، ولهذا تكون